1- الأنظمة الخبيرة (Expert Systems):
هل تساءلت من قبل؟
كيف يمكن لبرنامج أن يساعد في التشخيص الطبي؟
أو يحدد ما هو عطل سيارتك؟
أو يساعد مهندس أو كيميائي ليجد حل مشكلته؟
الجواب هنا يكمن في أول فرع من فروع الذكاء الاصطناعي ألا وهو الأنظمة الخبيرة.
ماهي الأنظمة الخبيرة؟
هي برامج حاسوبية تخدم بعقلية خبير بشري في مجال واحد فقط، بمعنى:
- تقوم بجمع خبرة ناس مختصين (أطباء، مهندسين، كيميائيين...).
- تحول هذه الخبرة الى قواعد.
- ثم يستعملها البرنامج ليقدم قرارا أو نصيحة.
تعتمد على منطق:
- إذا حدثت هذه الحالة > فالنتيجة تكون هكذا.
- وكل ما زادت القواعد والخبرة، كل ما كان القرار أدق.
والأهم أن هذه الأنظمة:
- لا تتعلم وحدها.
- غير مبدعة كالإنسان.
- يمكن أن نقول أنها ذكية لكن في مجالها فقط.
صحيح أن الأنظمة الخبيرة هي أول خطوة في عالم الذكاء الاصطناعي، إلا أنها محدودة لكونها تعتمد على قواعد ثابتة يضعها خبير بشري.
ومن هنا ظهر سؤال مهم:
ماذا لو استطاع الحاسوب أن يتعلم بنفسه بدل أن نخبره بكل شيء؟
وهذا ما قاد إلى ظهور الفرع الثاني من الذكاء الاصطناعي:
2- التعلم الآلي (ML/Machine Learning)
ما المقصود بالتعلم الآلي؟
هو طريقة تمكن الحاسوب من التعلم تلقائيا من البيانات، دون أن نملي عليه خطوة بخطوة ما يجب فعله.
بمعنى أننا لا نقول له "إذا حدث كذا، افعل كذا" كما في الأنظمة الخبيرة، بل نقدم له كمية كبيرة من البيانات، ويستنتج القوانين بنفسه.
كيف يتم ذلك؟
نجمع كمية كبيرة من البيانات، مثلا آلاف الرسائل الإلكترونية (مزعجة / عادية)، ونوضح للنظام: هذه رسالة مزعجة (Spam)، وهذه ليست كذلك.
مع مرور الوقت، يتعلم النظام الأنماط ويميز الكلمات المشبوهة، ويصبح قادراً على التنبؤ بما إذا كانت الرسالة مزعجة أم لا.
وبعد ذلك، عندما تصلك رسالة جديدة، يقرر النظام بنفسه كيف يصنفها بناء على ما تعلمه.
لكن لا ننسى أنه:
- لا يفهم المعنى الحقيقي.
- يتعلم فقط مما نقدمه له من بيانات.
- إذا كانت البيانات خاطئة أو منحازة > فإن النتيجة ستكون خاطئة أيضا.
ومع تطور التعلم الآلي، أصبحت الأنظمة قادرة على التنبؤ واتخاذ قرارات ذكية، لكن أداءها ظل محدودا عندما يتعلق الأمر بالصور، الأصوات، والبيانات المعقدة جدا.
فكان لا بد من تقنية أعمق تحاكي طريقة تفكير الدماغ البشري، وهنا ظهر أحد أقوى فروع الذكاء الاصطناعي:
3- التعلم العميق Deep Learning (DL)
في السابق، كان الحاسوب لا يفهم إلا الأوامر الصريحة: إذا حدث كذا > افعل كذا.
أما اليوم، فأصبح الحاسوب قادرا على فتح هاتفك باستخدام وجهك، وفهم صوتك، والتمييز بين آلاف الصور بدقة كبيرة.
فما هو التعلم العميق؟
هو نوع خاص من التعلم الآلي، يعتمد على الشبكات العصبية الاصطناعية المستوحاة من طريقة عمل دماغ الإنسان.
كيف يعمل؟
تخيل طفلا صغيرا يرى صور القطط والكلاب مرة واثنين وثلاثة...
في البداية، لا يستطيع التمييز بينها.
و مع التكرار وتصحيح الأخطاء، يتعلم تدريجيا التفريق بينهما.
كيف يعمل التعلم العميق بنفس الطريقة؟
- نزوده بكميات هائلة من الصور أو المعطيات.
- يخطئ.
- يصحح الخطأ.
- ومع الوقت، يتعلم من هذه المحاولات ويصبح أكثر دقة.
لكن له جانب سلبي مقارنة بالفروع الأخرى في الذكاء الاصطناعي:
- يستهلك وقتا طويلا في التدريب.
- يحتاج إلى بيانات ضخمة.
- وحوسبة كبيرة.
ومع أن التعلم العميق مكّن الحاسوب من الرؤية والتمييز بدقة عالية، بقي تحدي كبير قائم وهو كيف يمكن للحاسوب أن يفهم لغتنا نحن البشر؟
وهذا كان سببا في ظهور فرع بالغ الأهمية:
4- معالجة اللغة الطبيعية (Natural Language Processing /NLP)
في كل مرة تكتب رسالة، أو تستخدم الترجمة، أو تتفاعل مع مساعد ذكي مثل ChatGPT، فإنك في الحقيقة تتعامل مع أحد أهم فروع الذكاء الاصطناعي، وهو معالجة اللغة الطبيعية.
ماذا نقصد بمعالجة اللغة الطبيعية؟
هي خوارزميات تمكّن الحاسوب من:
- فهم كلام الإنسان المكتوب أو المنطوق.
- تحليل النصوص والإجابة بلغة بشرية.
يمكننا القول "إنسان يتحدث < -- > حاسوب يفهم ويتفاعل".
أين نجد معالجة اللغة الطبيعية في حياتنا اليومية؟
- المساعدات الصوتية (Siri - Google Assistant).
- الترجمة الآلية بين اللغات.
- التصحيح التلقائي للأخطاء الإملائية.
- اقتراح الكلمات أثناء الكتابة.
- أدوات المحادثة الذكية مثل Chat GPT.
لكن.. تقنيات معالجة اللغة الطبيعية رغم تطورها:
- قد تخطئ في الفهم.
- قد تخلط بين المعاني المختلفة.
- تتأثر بالسياق والثقافات المختلفة.
بمعنى أن هذه الأنظمة تفهمك بشكل جيد لكن ليس بنسبة 100%، ومع ذلك فهي في تحسن مستمر بفضل تطور النماذج وزيادة البيانات.
ورغم أن معالجة اللغة الطبيعية جعلت التفاعل مع الحاسوب أكثر إنسانية، إلا أن الذكاء الاصطناعي ظل حبيس الشاشات. فماذا لو خرج هذا الذكاء إلى العالم الحقيقي؟
هنا نصل إلى فرع يجمع بين البرمجة والحركة:
5- الروبوتات Robotics:
عندما نسمع كلمة روبوت فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا آلة تمشي وتتحرك، وربما تشبه الإنسان، لكن الحقيقة أوسع وأعمق من ذلك بكثير.
الروبوتات هي أحد فروع الذكاء الاصطناعي، وتهتم بتصميم وبناء آلات قادرة على:
- الإحساس بالبيئة المحيطة بها.
- تحليل البيانات واتخاذ القرارات.
- تنفيذ مهام حقيقية في العالم الواقعي.
الروبوت يتكون من:
عتاد مادي (Hardware):
محركات، أذرع آلية، حساسات.
برمجيات (Software):
وذكاء اصطناعي لتحليل البيانات واتخاذ القرارات.
ماذا تفعل الروبوتات اليوم؟
- في الطب: تساعد الأطباء في إجراء عمليات عالية الدقة.
- في الصناعة: التجميع، اللحام، والعمل المتواصل.
- في الزراعة: الحراثة، المراقبة، والحصاد.
- في الفضاء: استكشاف أماكن يستحيل على الإنسان الوصول إليها.
- في حياتنا اليومية: المكانس الذكية، الروبوتات التعليمية، وغيرها من الخدمات.
من المهم أن نفهم جيدا:
- الروبوت لا يفكر بمفرده، بل ينفذ ما برمج عليه، ويستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أكثر دقة.
- ليس كل ذكاء اصطناعي روبوتا، لكن كل روبوت ذكي يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
الروبوتات هي الجسر الذي يربط الذكاء الاصطناعي بالواقع، حيث تتحول الأكواد والخوارزميات إلى أفعال ملموسة نراها أمامنا.
ومع تطور الذي شهدته، لم يعد الهدف هو بناء آلة ذكية واحدة فقط، بل أنظمة متعددة تعمل معا، تتواصل، وتتخذ قرارات جماعية.
ومن هذا ظهر آخر هذه الفروع:
6- الأنظمة متعددة الوكلاء Multi-Agent Systems:
ماذا نقصد بالأنظمة متعددة الوكلاء؟
هي مجموعة من الوكلاء المستقلين كبرامج أو روبوتات هدفهم النهائي مشترك، لكن:
- لكل واحد منهم دور محدد.
- يتبادلون المعلومات.
- يتعاونون و يتفاوضون.
كل هذا ليحلوا مشاكل معقدة يعجز نظام واحد على حلها وحده.
فبدل أن يعمل نظام ذكي وحده، نجد مجموعة أنظمة ذكية تعمل مع بعض، تتعاون، تتقاسم المهام، و تتفاوض لتحقق الهدف المرجو منها.
أين نجدهم اليوم؟
- في أنظمة المرور الذكية: إشارات المرور تتواصل فيما بينها لتخفيف الازدحام.
- في شبكات الكهرباء الذكية: توزيع الطاقة بطريقة متوازنة.
- في الألعاب الإلكترونية: شخصيات تتفاعل مع اللاعب ومع بعضها البعض.
- في التجارة الإلكترونية: أنظمة تفاوض على الأسعار والعروض.
صحيح أن عند كل وكيل استقلالية، لكن القوة الحقيقية تكون في التنسيق والتعاون، والهدف هنا ليس ذكاء فرديا محدود القدرات، بل ذكاء جماعي قادر على حل المشكلات الأكثر تعقيدا.
تعد الأنظمة متعددة الوكلاء قمة تطور الذكاء الاصطناعي، من نظام يفكر وحده إلى أنظمة تفكر، تتواصل، وتعمل كفريق واحد.
بهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية مقالنا حول فروع الذكاء الاصطناعي.
رحلة بدأناها بأنظمة تحفظ خبرة الإنسان Expert Systems
ثم أنظمة تتعلم من البيانات Machine Learning
ثم تتعمق وتحاكي الدماغ Deep Learning
ثم تفهم لغتنا Natural Language Processing
ثم تتحرك في العالم الحقيقي Robotics
وها نحن نختم بأنظمة تفكر، تعمل، وتتعاون كفريق واحد Multi-Agent Systems
الذكاء الاصطناعي ليس علما معقدا حكرا على المختصين بل منظومة متكاملة أصبحت جزءا من حياتنا اليومية، نستعملها أحيانا دون أن نشعر، لكنها تؤثر في قراراتنا أكثر مما نتصور.
